فخر الدين الرازي

53

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة محمد ( 47 ) : آية 20 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ ( 20 ) لما بيّن اللّه حال المنافق والكافر والمهتدي المؤمن عند استماع الآيات العلمية من التوحيد والحشر وغيرهما بقوله وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [ محمد : 16 ] وقوله وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] بين حالهم في الآيات العملية ، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها ويطلب تنزيلها وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء من العبادة خوفا من أن لا يؤهل لها ، والمنافق إذا نزلت السورة أو الآية وفيها تكليف شق عليه ، ليعلم تباين الفريقين في العلم والعمل ، حيث لا يفهم المنافق العلم ولا يريد العمل ، والمؤمن يعلم ويحب العمل وقولهم لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ المراد منه سورة فيها تكليف بمحن المؤمن والمنافق . ثم إنه تعالى أنزل سورة فيها القتال فإنه أشق تكليف وقوله سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ فيها وجوه : أحدها : سورة لم تنسخ ثانيها : سورة فيها ألفاظ أريدت حقائقها بخلاف قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] وقوله فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] فإن قوله تعالى : فَضَرْبَ الرِّقابِ [ محمد : 4 ] أراد القتل وهو أبلغ من قوله فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : 191 ] وقوله وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ * [ النساء : 91 ] صريح وكذلك غير هذا من آيات القتال وعلى الوجهين فقوله مُحْكَمَةٌ فيها فائدة زائدة من حيث إنهم لا يمكنهم أن يقولوا المراد غير ما يظهر منه ، أو يقولوا هذه آية وقد نسخت فلا نقاتل ، وقوله رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي المنافقين يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ لأن عند التكليف بالقتال لا يبقى لنفاقهم فائدة ، فإنهم قبل القتال كانوا يترددون إلى القبيلتين وعند الأمر بالقتال لم يبق لهم إمكان ذلك فَأَوْلى لَهُمْ دعاء كقول القائل فويل لهم ، ويحتمل أن يكون هو خبر لمبتدأ محذوف سبق ذكره وهو الموت كأن اللّه تعالى لما قال : نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ قال فالموت أولى لهم ، لأن الحياة التي لا في طاعة اللّه ورسوله الموت خير منها ، وقال الواحدي يجوز أن يكون المعنى فأولى لهم طاعة أي الطاعة أولى لهم . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 21 ] طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ( 21 ) ثم قال تعالى : طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام مستأنف محذوف الخبر تقديره خير لهم أي أحسن وأمثل ، لا يقال طاعة نكرة لا تصلح / للابتداء . لأنا نقول هي موصوفة بدل عليه قوله وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فإنه موصوف فكأنه تعالى قال : طاعَةٌ مخلصة وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خير ، وقيل معناه قالوا : طاعة وقول معروف أي قولهم أمرنا طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ويدل عليه قراءة أبي يقولون طاعة وقول معروف . وقوله فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ . جوابه محذوف تقديره : فإذا عزم الأمر خالفوا وتخلفوا ، وهو مناسب لمعنى قراءة أبي كأنه يقول في أول الأمر قالوا سمعا وطاعة ، وعند آخر الأمر خالفوا وأخلفوا موعدهم ، ونسب العزم إلى الأمر والعزم لصاحب الأمر معناه : فإذا عزم صاحب الأمر . هذا قول الزمخشري ، ويحتمل أن يقال هو مجاز كقولنا جاء الأمر وولى